المقريزي

288

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

يتحصل من ذلك ، فأزال تلك المنكرات بأسرها ، وعمر ذلك الموضع مسجدا أنفق فيه مالا كثيرا ، فلم ير بعد ذلك بمدينته سكران ، وكان بتونس أيضا جماعة كثيرة من المخنّثين فنفاهم عن آخرهم . وغلا السّعر مرة حتى عدم القمح ، فلم يوجد بالأسواق وكان كل قفيز بدينارين ، فأمر أن يبلغ القمح من تجارته هو كل قفيز بدينار ونصف ومنع الخزّان للغلال من بيع غلالهم ، وأن لا يشتري أحد إلا من غلته ، فاضطرّهم الحال إلى بيعه بدون دينار ونصف . فلما بلغه ذلك أمر أن لا يباع من غلاله شيء وأن يشترى من الخزّانين فأمسك الخزّانون غلالهم ، وامتنعوا من بيعها ، ففتح أبو فارس مخازنه وباع منها بسعر دينار واحد ، وأقسم لئن باع أحد سواه القفيز بدينار لعاقبنّه ، بل إنما يكون بدون الدينار ، وأمر عمّاله أن لا يبيعوا من مخازنه غلّة إلا إن تعطّلت الأسواق منها ، فإن وجدت الغلال بالأسواق فلا يبيعوا له غلّة ، فانحلّ السّعر حتى أغاث اللّه عباده وسقوا . وكانت الحبوب والأدهان واللّحوم وسائر ما يباع يؤخذ منه المكس بضرائب في الدّيوان من قديم الزّمان فأبطل المكوس بأسرها وأخذ من النّاس زكاة أموالهم وعشور ثمارهم . وأخذ لأوّل قيامه في السّلطنة يقتنص أسود الرجال ويتّبع أهل الفساد ، حتى أمنت جميع بلاده ، وسكنت الفتن بها ، وصار التاجر يمر في مملكته بغير رفيق ولا خفير . وهو مع ذلك كثير الجولان في بواديه وأعماله للنظر في عمل مصالحها وإزالة الفساد والمفسدين فيها ، وكانت العرب تتعنت على الدولة فخذ شوكتها وأذلّ عزّتها حتى انقادت لطاعته وتصرفت بأوامره ، حتى أخذ في تتبع السّباع الضّارية فيخرج إليها بنفسه ويصطادها حتى أفناها من أرضه . أخبرني الأديب الكاتب الفاضل أبو عبد اللّه محمد بن عبد الحق السّبتي رحمه اللّه مشافهة وكتب به إليّ ، قال : حكى لي أيده اللّه ونصره وقال لي : الملك ما يرضى الكذب ولا يقع فيه إلا لضرورة . ثم قال : أتريد أن أحدثك عن كذبة صدرت مني في هذه الأيام ؟ قلت له : افعل يا